أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
574
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
معناه بل أكّدته ، غاية ما في الباب أنها عملت فيه لفظا ، ولذلك اختصّت هي و « أن » بالفتح ، ولكن على رأي بذلك دون سائر أخواتها لبقاء معنى الابتداء فيها ، بخلاف ليت ولعل وكأن ، فإنه خرج إلى التمني والتّرجّي والتشبيه ، وأجرى الفراء الباب مجرى واحدا ، فأجاز ذلك في ليت ولعل ، وأنشد : 1781 - يا ليتني وأنت يا لميس * في بلد ليس بها أنيس « 1 » فأتى ب « أنت » ، وهو ضمير رفع نسقا على الياء في « ليتني » ، وهل يجري غير العطف من التوابع مجراه في ذلك ؟ فذهب الفراء ويونس إلى جواز ذلك وجعلا منه قوله تعالى : قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ « 2 » فرفع « علّام » عندهما على النعت ل « ربي » على المحلّ ، وحكوا « إنهم أجمعون ذاهبون » ، وغلّط سيبويه « 3 » من قال من العرب : « إنهم أجمعون ذاهبون » فقال : « واعلم أنّ قوما من العرب يغلطون فيقولون : « إنهم أجمعون ذاهبون » ، وأخذ الناس عليه في ذلك من حيث إنه غلّط أهل اللسان ، وهم الواضعون أو المتلقّون من الواضع ، وأجيب بأنهم بالنسبة إلى عامة العرب غالطون . وفي الجملة فالناس قد ردّوا هذا المذهب ، أعني جواز الرفع عطفا على محلّ اسم « إنّ » مطلقا ، أعني قبل الخبر وبعده ، خفي إعراب الاسم أو ظهر . ونقل بعضهم الإجماع على جواز الرفع على المحلّ بعد الخبر ، وليس بشيء ، وفي الجملة ففي المسألة أربعة مذاهب : مذهب المحققين : المنع مطلقا ، ومذهب بعضهم : التفصيل قبل الخبر فيمتنع ، وبعده فيجوز ، ومذهب الفراء : إن خفي إعراب الاسم جاز ذلك لزوال الكراهية اللفظية ، وحكي من كلامهم : « إنك وزيد ذاهبان » . الرابع : مذهب الكسائي : وهو الجواز مطلقا ويستدل بظواهر قوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا » الآية ، وبقوله : - هو ضابىء البرجمي - 1782 - فمن يك أمسى بالمدينة رحله * فإنّي وقيّار بها لغريب « 4 » وبقوله : 1783 - يا ليتنا وهما نخلو بمنزلة * حتى يرى بعضنا بعضا ونأتلف « 5 » وبقوله : 1784 - وإلّا فاعلموا أنّا وأنتم * . . . « 6 » البيت ، وبقوله : 1785 - يا ليتني وأنت يا لميس « 7 » وبقولهم : « إنك وزيد ذاهبان » ، وكلّ هذه تصلح أن تكون دليلا للكسائي والفراء معا ، وينبغي أن يورد الكسائي دليلا على جواز ذلك مع ظهور إعراب الاسم نحو : « إنّ زيدا وعمرو قائمان » . وردّ الزمخشري الرفع على
--> ( 1 ) البيت لجران العود انظر ديوانه الهمع ( 2 / 144 ) ، الدرر ( 2 / 202 ) ، العيني ( 2 / 321 ) . ( 2 ) سورة سبأ ، الآية ( 48 ) . ( 3 ) انظر الكتاب ( 1 / 290 ) . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) انظر البيت في معاني الفراء ( 1 / 311 ) . ( 6 ) تقدم . ( 7 ) تقدم .